بناء الثروة كيفية بناء استراتيجيات استثمارية مستقرة خلال تقلبات الأسواق
srchThumbnail:/ar/Images/navigating-market-volatility-200x200_tcm43-567058.webp
بناء استراتيجيات استثمارية مستقرة خلال تقلبات الأسواق
إنّ الأسواق المالية بطبيعتها تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار، إذ تتأثر أسعار الأصول بعدة متغيرات تشمل الحالة الاقتصادية العامة والسياسات الحكومية ومكاسب الشركات وتوجهات القطاع وثقة المستثمرين والمستهلكين. وتتفاعل هذه العوامل جميعها مع الأحداث الجيوسياسية والتغيرات الاقتصادية الداخلية. ويمثل هذا الواقع تحدياً وفرصةً في الوقت نفسه أمام المستثمرين.
ويتجلى التحدي في قدرة التقلبات التي تشهدها الأسواق على زعزعة المحافظ الاستثمارية وإرباك الخطط المالية بعيدة الأمد. ومع ذلك، فإن الفرص التي تتولّد وسط هذه التقلبات قد تنطوي على قيمة أكبر، إذ إن فترات الاضطراب تخلق نقاط دخول جديدة وتُعيد تقييم الأصول بطرائق قد تُجزي المستثمرين الذين يتحلّون بالصبر والانضباط مع مرور الوقت. ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري حول كيفية تعامل المستثمرين مع الدورات الاقتصادية المتعاقبة والحفاظ على عوائد مستقرة دون التأثر بتقلّبات السوق بين فترات الانكماش والتعافي. ونستعرض في ما يلي خمس استراتيجيات رئيسية لتحقيق ذلك.
1. الاستفادة من تقلبات السوق
من المفيد إعادة تعريف مفهوم التقلبات في الأسواق المالية، بحيث لا يُنظر إليها على أنها مظاهر مؤقتة للاضطراب، بل جزءاً أساسياً من الطبيعة الهيكلية للأسواق الحديثة. ففي الفترات التي تتراجع فيها مستويات التقلب، على غرار مرحلة ما بعد الأزمة المالية العالمية، حين أدت السيولة الوفيرة التي ضختها البنوك المركزية إلى خفض عوائد المخاطر، ينشأ لدى المستثمرين شعور بالاستقرار والاطمئنان لبيئة مالية أكثر توازناً. لكنّ التجارب التاريخية المتراكمة تشير بوضوح إلى أن تلك المراحل الهادئة ليست سوى محطات مؤقتة، سرعان ما تفسح المجال لعودة التقلب باعتباره السمة الغالبة للأسواق.
نظرة على السوق: المؤشرات الإماراتية والعالمية في مرحلة التقلبات
شهدت الأسواق في دولة الإمارات خلال السنوات الخمس الماضية موجات متعاقبة من النمو والانكماش. فقد تراجع سوق أبوظبي بنسبة 0.5% في عام 2020، قبل أن يسجّل نمواً لافتاً بلغ 68.2% في عام 2021، و20.3% في عام 2022، ليعود إلى الانكماش بنسبة 6.2% في عام 2023، ثم بنسبة إضافية قدرها 1.7% في عام 2024. وعلى نحو مماثل، خاض المستثمرون تجربةً متقلبة في سوق دبي، إذ تراجع المؤشر بنسبة 9.9%، ثم تعافى محققاً نمواً متتالياً بلغ 28.2%، و4.4%، و21.7%، و27.1% خلال الفترة نفسها1.
وفي المقابل، سجّلت أسواق الأسهم الأمريكية تاريخياً انخفاضات تفوق 10% في سنة واحدة، بمعدل يقارب مرة واحدة كل عامين2.
أما أسواق الدخل الثابت العالمية، التي لطالما اعتُبرت ركيزةً للاستقرار، فقد شهدت حالات تراجع غير مسبوقة منذ بدء ارتفاع أسعار الفائدة في عام 2022 3.
وفي هذا المشهد المليء بالتقلبات، يعيد المستثمرون ترسيخ أسس الالتزام بالاستثمار المستدام، وهم يتأقلمون مع ملامح جديدة للمخاطر وآليات إدارتها.
إن الاستقرار في عالم الاستثمار لا يُبنى على التنبؤ بحركات السوق بقدر ما يعتمد على ترسيخ المرونة في مواجهتها. فالمستثمرون المؤسسيون، من صناديق سيادية وصناديق خطط التقاعد ومؤسسات وقفية، يعتمدون نهجاً منضبطاً يقوم على تحديد أطر واضحة لتوزيع الأصول ووضع أهداف للعائد، مما يوفر لهم ثباتاً أمام تقلبات الأسواق قصيرة المدى. ويمكن للمستثمرين الأفراد وأصحاب الثروات المتوسطة تبنّي المبادئ ذاتها لتحقيق استقرار مماثل في استثماراتهم.
2. النجاح في الاستثمار لا يقوم على توقيت الدخول للسوق، بل على مدة البقاء فيه
يمثل وضوح الأفق الزمني أحد أهم مقومات النجاح الاستثماري، فالأهداف طويلة المدى، مثل التخطيط للتقاعد أو نقل الثروات بين الأجيال، تتطلب نهجاً استثمارياً متزناً يركّز على المدى البعيد بدلاً من الانجراف وراء تقلبات الأسواق اللحظية. إن وضوح الهدف النهائي يمنح المستثمر القدرة على الثبات أمام التغيرات المؤقتة، فيتجنّب ردود الفعل العاطفية التي تضرّ أكثر مما تنفع. فالمستثمر الذي بلغ الستين عاماً ويستعد للتقاعد، لا يحتاج إلى القلق بشأن أداء الأسواق على المدى القصير، لأن نجاحه يعتمد على استمرارية الخطة لا على تغير الظروف المرحلية. وقد أثبتت التجارب أن المستثمرين الصبورين الذين التزموا باستراتيجياتهم خلال العقد الماضي نجحوا في تجاوز تقلبات حادّة شملت انهيار أسعار النفط، والجائحة الصحية العالمية، والأزمات الجيوسياسية والحروب الإقليمية، بالإضافة إلى اضطرابات التجارة الدولية. وفي المقابل، فإن من حاولوا توقيت تقلبات السوق في كل مرة غالباً ما واجهوا نتائج مخيّبة وخسائر مؤلمة.
3. بناء محفظة استثمارية متنوعة
على عكس المحافظ المرتبطة مباشرةً بتقلبات السوق، تتميز المحفظة القائمة على قاعدة تنويع شاملة، تضم مزيجاً من الأسهم وأدوات الدخل الثابت والأصول البديلة، بقدرتها على الحدّ من أثر الانكماش في قطاع معين، مع تحقيق الاستفادة من التعافي في قطاعات أخرى. وتؤكد هذه المقارنة أن التنويع والثبات يمثلان ركيزتين لا غنى عنهما لعبورٍ آمنٍ ومستقرٍ وسط تقلبات الأسواق العابرة.
ومع ذلك، فإن مفهوم التنويع ذاته يشهد تحولات هيكلية عميقة.
نظرة على السوق: إعادة تقييم لقاعدة 40/60 التقليدية
لقد كانت المحافظ الاستثمارية التقليدية التي تقوم على توزيع 60% للأسهم و40% للسندات تمثل الركيزة الأساسية للاستثمار المستقر والمتوازن لعقودٍ من الزمن. غير أن هذا النهج تعرض لضغوط شديدة عندما تراجعت الأسهم والسندات معاً في عام 2022 4.
ومن هنا تبرز أهمية المستشار المالي الذي يمكنه المساعدة في إعادة هيكلة المحفظة الاستثمارية تدريجياً وبشكلٍ مدروس، بما يتماشى مع التحولات الجديدة في الأسواق المالية.
وفي المراحل القادمة، يبدو أن التنويع الأوسع، الذي يحتضن مجالات البنية التحتية والأصول الواقعية والائتمان الخاص، إلى جانب التوجهات الاستثمارية الحديثة مثل الطاقة النظيفة والبنية التحتية الرقمية، سيكون السبيل الأمثل لتحقيق التوازن في المحافظ الاستثمارية. وبالنسبة للمستثمرين ذوي المبالغ الاستثمارية الصغيرة، تمثل صناديق الاستثمار المشتركة وصناديق المؤشرات المتداولة التي تتابع أداء هذه القطاعات خيارات عملية للدخول إلى السوق. ويبقى التوجه الاستراتيجي الأهم هو توسيع نطاق الاستثمار، وتنويع مصادر العائد، والسماح لكل فرصة بأن تنضج وفق وتيرتها الخاصة.
اكتشف أسس الاستثمار الذكي من خلال الصناديق المتداولة وصناديق الاستثمار المشتركة من خلال الرابط.
4. الحد من المخاطر من خلال استراتيجية استثمار متوسط ثابت بالدولار أو الدرهم
يمكن تحقيق قدر أكبر من الثبات في مسار الاستثمار من خلال الاستثمار المنهجي المنتظم. ويُعرف هذا النهج في الأوساط المالية باسم استثمار متوسط ثابت بالدولار أو الدرهم، وهو مبدأ يقوم على استثمار مبلغ محدد على فترات زمنية ثابتة دون الالتفات إلى ظروف السوق. وتكمن فاعلية هذا الأسلوب في قدرته على تخفيف أثر التقلبات، إذ إن الاستثمار في مراحل الارتفاع والانخفاض يؤدي إلى تحقيق متوسط تكلفة أكثر توازناً، مما يوجّه التركيز نحو الاستمرارية في الاستثمار بدلاً من محاولة توقيت الاستثمار في السوق بدقة.
بالنسبة للمستثمرين، ولا سيّما الذين يسعون إلى تنمية ثرواتهم تدريجياً عبر الدخل الوظيفي، يُعدّ هذا النظام بمثابة آلية توازن ذاتية تضمن لهم الاستقرار المالي على المدى الطويل. فكثيراً ما يوصي المستشارون الماليون باعتماد خطط استثمار منتظمة، ليس لأنها تكفل تحقيق عوائد تفوق أداء السوق، بل لما لها من دورٍ فعّال في الحد من التحيّزات السلوكية والأخطاء الانفعالية التي قد تُضعف من جودة القرارات الاستثمارية بمرور الوقت.
وتقوم استراتيجية "اضبطه وانساه" على تحييد التأثيرات العاطفية في سلوك المستثمرين. وتشير دراسات التمويل السلوكي إلى أن المستثمرين غالباً ما يستجيبون للخسائر بقوة تفوق استجابتهم للمكاسب المماثلة، مما قد يؤدي إلى سلوكيات غير رشيدة، مثل البيع بدافع الذعر عند أدنى مستويات السوق، أو التردد المفرط خلال فترات التعافي. لذا، فإن بناء إطار استثماري منظم يقوم على نسب توزيع محددة مسبقاً، وآليات واضحة لإعادة الموازنة، وأهداف استثمارية دقيقة ومعلنة، يُعد وسيلةً فعالةً لتقليل التحيّزات السلوكية وضمان قرارات أكثر اتزاناً.
5. مراقبة إدارة المخاطر باستمرار
يتعين على المستثمرين ومستشاريهم الماليين مراعاة إدارة المخاطر، بما في ذلك التخطيط الفعّال للسيولة. فاضطرار المستثمر إلى بيع أصوله في توقيت غير مناسب، سواء لتغطية نفقات أو استيفاء طلبات تغطية الهامش، يجعله أكثر عرضة لتقلبات السوق. ولتجنّب ذلك، يُنصح بالاحتفاظ باحتياطي نقدي يعادل ما لا يقل عن ستة أشهر من الدخل لضمان استمرارية الاستثمارات طويلة الأمد دون انقطاع.
إن التقلبات سمةٌ أصيلة لا يمكن تجنّبها في عالم الاستثمار، غير أنّها لا تستوجب بالضرورة الانحراف عن الأهداف بعيدة المدى. فمن خلال تبنّي هذه الاستراتيجيات، يستطيع المستثمرون تعزيز مرونتهم وبناء ثقتهم بأنفسهم عبر مختلف الدورات الاقتصادية. ومع التحلّي بالصبر والانضباط، قد يتحوّل ما يبدو اليوم اضطراباً عابراً إلى قاعدةٍ راسخةٍ للنمو المستدام في المستقبل.
المصادر:
- https://www.kamcoinvest.com/node/38964
- https://www.kamcoinvest.com/node/38964
- https://www.kamcoinvest.com/node/38964
- https://www.cnbc.com/2023/01/07/2022-was-the-worst-ever-year-for-us-bonds-how-to-position-for-2023.html
المصطلحات
للاطلاع على المصطلحات والاختصارات وشرح مبسط بخصوص الاستثمار، يرجى زيارة adcb.com/invglossary.
حلول إدارة الثروات
اكتشف المزيد عن حلول إدارة الثروات المبتكرة والموثوقة.
إخلاء من المسئولية:
يعمل بنك أبوظبي التجاري ش. م. ع. على تقديم خدمات مصرفية لعملائه بموجب الرخصة رقم 13/2461/2005 الصادرة عن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، ومرخص أيضاً من قبل هيئة الأوراق المالية والسلع لتقديم خدمات الاستثمار في الأوراق المالية والخدمات المتعلقة بمنتجات الاستثمار بموجب الترخيص رقم 601001.
إن الغرض من هذه الصفحة هو للعلم والتوضيح فقط وهي لا تشكل أي نصيحة أو التزام أو تعهد بالنيابة عن بنك أبوظبي التجاري وأي من شركاته التابعة بما فيها شركة أبوظبي التجاري لإدارة الأصول المحدودة ("مجموعة بنك أبوظبي التجاري"). ولا يجب تفسير محتوى الصفحة على أنه عرض أو محاولة لشراء أو بيع أي منتجات استثمار ولا يعتبر على أنه نصيحة شخصية للاستثمار. ويجب أن يُقرأ جنباً إلى جنب مع المستندات المنطبقة والأحكام والشروط ذات الصلة حتى يتسنى للمستثمرين المحتملين فهم الأحكام والمعلومات الواردة. ويتعين على الأشخاص الذين يصلهم هذا البريد الإلكتروني مناقشته مع المختصين القانونيين وكذلك مستشاريهم في الشؤون المالية والضريبية قبل القيام بأي التزامات مالية، حيث سيُعتبر أنهم قاموا بإجراء التقييمات المعقولة للمخاطر المحتملة والعوائد الناتجة عن مثل هذا الالتزام. إن مجموعة بنك أبوظبي التجاري لا تضمن أي خدمة مقدمة من مزوّد طرف ثالث. كما يتحمل المستثمرون مخاطر الاستثمار على مسؤوليتهم الشخصية ويتحملون كافة المخاطر ذات العلاقة بأي منتج تم شراؤه. كما لا تتحمل مجموعة بنك أبوظبي التجاري أي مسؤولية عن نتيجة أي قرارات استثمار يتم أخذها. الأداء السابق لا يضمن النتائج المستقبلية. منتجات الاستثمار ليست ودائع مصرفية وهي غير مضمونة من قبل مجموعة بنك أبوظبي التجاري وعرضة لمخاطر الاستثمار بما في ذلك احتمال خسارة المبلغ المستثمر أصلاً. يرجى الرجوع إلى أحكام وشروط لخدمات الثروات و/ أو أحكام شركة أبوظبي التجاري لإدارة الأصول المحدودة.
هل تعلم؟تقلبات الأسعار في سوق أبوظبي للأوراق المالية تكشف عن فرص واعدة للمستثمرين
المرجع:
تقرير كامكو إنفست الشهري حول أسواق دول مجلس التعاون الخليجي – فبراير 2023
اختبر معلوماتكأيٌّ من الاستراتيجيات الآتية تسهم في مساعدة المستثمرين على الحدّ من تأثير تقلبات السوق المالية؟
مواضيع ذات صلة: على مشارف التقاعد رواد أعمال زيادة المدخرات تطوير شركتك الاستثمار للنمو المالي
المسافة بين الحروف
المسافة بين السطور
إفتراضي
متوسط
كبير
إفتراضي
زيادة التباين
